ابن الجوزي
88
بستان الواعظين ورياض السامعين
للصديقين والشهداء : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها ، فالناس ينقسمون في السياقة على قسمين ؛ قسم تسوقه الملائكة ببر وإكرام ، ورق وإجلال ، وتؤمنهم وتهدىء روعاتهم كلما نظر العبد إلى من يعذّب أو ينكل يقول له سائقه من الملائكة : يا عبد اللّه ما أنت مثل هذا ، هذا عصى اللّه وأنت أطعته . والقسم الثاني يساقون بالانتهار والسطوة والإغلاظ ، يسوقه سائقه وهو يروعه ويقول له : يا عدوّ اللّه هذا الحساب سوف تدري ، كلما نظر المسكين إلى من يعذّب أو ينكّل قال له سائقه : الساعة تكون أنت مثل هذا ، هذا عصى اللّه وأنت عصيته ، أما علمت يا عدوّ اللّه أن الحساب والحشر أمامك ؟ وأنشدوا : كأنّي بنفسي قد بلغت مدى عمري * وأنكرت ما قد كنت أعرف من دهري وطالبني من لا أقوم بدفعه * وحوّلت من داري إلى ظلمة القبر وفاز بميراثي أناس فشتتوا * بإفسادهم ما كنت أجمع من أمري وأغفلني من كان يبدي محبتي * فأخلصه ودّي ويغمره برّي فلم يسخ لي منهم صديق بدعوة * إذا ما جرى يوما بحضرته ذكري وأضحى لبيتي ساكن مبهج به * وفي اللحد بيتي لا أقوم إلى الحشر فيا شقوتي إن لم يجد بنجاته * إلهي ولم يجبر برحمته فقري فقد أثقلت ظهري ذنوب لو أنها * على ظهر طور أثقلته في الوزر فما أعظم مصيبتكم ، وما أطول حسرتكم إن لم يعف عنكم مولاكم وجعل النار مأواكم ، فاغتنموا التجارة في دار الفناء والذهاب ، يجازيكم بها مولاكم عند مناقشة الحساب ، فالحساب عظيم عسير ، والهول واللّه جليل كبير ، والناقد مميز بصير ، واليوم عبوس قمطرير . [ 152 ] اللوح المحفوظ ذكر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : إذا جمع اللّه تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ونشرت الدواوين ، ونصبت الموازين ، وأحضرت الأنبياء بأممها ، وحضر الصديقيّون والشهداء ، وحشر وحوش الأرض ، وهوامها وطيورها وأنعامها ، وسكان جبالها وبحارها .